مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

13

تفسير مقتنيات الدرر

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 16 إلى 20 ] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ( 16 ) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ( 17 ) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ( 19 ) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 20 ) هذه قصّة ثانية خارجة عن مناهج العادات وإنّما قدّم قصّة يحيى على قصّة عيسى لأنّ خلق الولد من شيخين فانيين أقرب من تخليق الولد من غير أب وأحسن الطريق إلى بيان الأمر الأخذ من الأقرب فالأقرب ثمّ إلى الأصعب فالأصعب فعطف قصّة عيسى على يحيى عليهما السّلام فقال سبحانه : ولينته علمك يا محمّد في قرآنك هذا حديث [ مريم ] وولادتها عيسى وصلاحها في الدين ليقتدي الناس بها وليكون علمك بأحوالها من غير تعليم معلَّم معجزة لك [ إِذِ انْتَبَذَتْ ] وانفردت [ مِنْ أَهْلِها ] إلى جهة المشرق وقعدت ناحية منهم ولذا اتّخذت النصارى المشرق قبلة ، وفلان خلَّى نبذة من الناس أي ناحية أي اتّخذت مكانا للعبادة متباعدة لئلَّا تشتغل بكلام الناس ، أو تباعدت عن قومها للعبادة حتّى لا يروها . ثمّ إنّها مع ذلك اتّخذت وجعلت بينها وبينهم [ حِجاباً ] وحائلا أي جعلت بين نفسها وبينهم سترا . وقيل : إنّها لما رأت الحيض تباعدت عن مكانها المعتاد المعدّ للعبادة لكي تنتظر الطهر فتغتسل ثمّ تعود إلى مكانها فلمّا طهرت جاءها جبرئيل . وقيل : قعدت في مشرقة للاغتسال من الحيض محتجبة بستر تستر بها . وقيل : إنّ زكريّا زوج أختها كان رتّب لها محرابا على حدة تسكنه بقربه وتعبد فيه وكان زكريّا إذا خرج أغلق عليها فأرادت مريم أن تجد خلوة في الجبل لتمشط رأسها فانفجر السقف لها فخرجت من المكان إلى المفازة فجلست في المشرقة فتمنّت وراء الجبل فأتاها الملك والمكان الشرقيّ هو الَّذي يلي شرقيّ بيت المقدس . ولمّا جلست ذاك المكان [ فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا ] يعني جبرئيل وسمّاه اللَّه روحا لأنّه روحانيّ وأضافه إلى نفسه تشريفا له كبيتي وعبدي . وقرئ روحنا بالفتح لأنّه سبب لما فيه روح العباد ولا شكّ أنّه من المقرّبين « فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ